AL MASSAA / SAAD AFILAL

 

سعد أفيلال: جمعيات القروض الصغرى لم تستطع تطوير منتوجات جديدة بسبب إكراهات التشريع الحالي

 

الباحث المغربي قال للمساء إنه لم يتم الاهتمام بأوجه توظيف القروض الصغرى

 

وجدت جمعيات القروض الصغرى في السنوات الأخيرة صعوبات كبيرة في استرداد ما في ذمة زبنائها تجاهها، وضعية ألقت الضوء على ما أفضت إليه المنافسة الشديدة

بين الجمعيات وغياب الرقابة التي يفترض أن تمارسها السلطات العمومية، في هذا الحوار مع الباحث سعد أفيلال المكناسي، نتعرف على الإشكاليات التي يفترض أن تجيب عليها جمعيات القروض الصغرى في الفترة القادمة من أجل الحفاظ على نشاط أريد له أن يساهم في محاربة الفقر في المغرب.
 في الأشهر الأخيرة أثير الكثير من النقاش حول مستقبل قطاع القروض الصغرى بالمغرب على خلفية الصعوبات التي تجدها الجمعيات المتخصصة في هذا الصنف من القروض في استرداد ما في ذمة الزبناء تجاهها. فما هو تقييمكم لأداء قطاع القروض الصغرى بالمغرب؟
< يمكن أن نقول إن التجربة المغربية، سواء على الصعيدين الجهوي أو الدولي، حظيت بإعجاب كبير، خاصة في مرحلة انطلاق القطاع في بداية 2000، التي عرفت إصدار القانون المنظم للقروض الصغرى، علما أنه قبل هذا التاريخ كانت ثمة جمعيات أطلقت بعض المشاريع. وكانت نقطة الانطلاقة الأساسية تلك التي أشرت عليها الهبة التي منحتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لجمعية «الأمانة» من أجل خلق الجمعية. ويجب أن نقول إن السياق السياسي والسيوسيواقتصادي أتاح لبعض الجمعيات أن تصبح بطلة بسرعة، لأنه توفرت لديها العديد من الأموال. وإجمالا عرف القطاع انطلاقة مهمة، بدعم عمومي مشجع، وبعد هاته الفترة وفي ظل ندرة الهبات والدعم، ومع المنافسة التي اشتدت في العقد الأخير، أصبح صعبا، بل مستحيلا على بعض الجمعيات، التي اختارت منذ البداية العمل مع الأشخاص المعوزين، الاستمرار بشكل طبيعي كما في السابق. الدعم كان مهما جدا من أجل انطلاق القطاع، والآن التساؤل يطرح حول مدى قدرة الجمعيات على مواصلة عملها والمضي في استهداف نفس الفئات، في سياق تنافسي. هذا أمر صعب، والتساؤل مفتوح.
 
- هل القروض الصغرى يفترض فيها أن تستخدم في محاربة الفقر أم تقتصر على المساعدة على الولوج إلى القطاع البنكي. كيف يمكن حسم هذا النقاش الذي طفا على السطح بين العديد من المراقبين للقطاع؟
 < يجب أن نشير إلى أن قطاع القروض الصغرى في العالم غير متناغم، فهناك نقاش كثير حول هذا الأمر، غير أننا يمكننا أن نشير إلى مدرستين، فهناك المدرسة التي تدعو إلى الإدماج المالي للأشخاص المقصيين من النظام المالي، حيث تدعو إلى منح القروض الصغرى لهؤلاء الأشخاص، في المقابل تشدد المدرسة الأخرى، التي تحظى بدعم المؤسسات المالية العالمية، مثل البنك الدولي، على توظيف القروض الصغرى من أجل محاربة الفقر، وهو التوجه الذي انخرط فيه المغرب، وهذا الهدف ممكن التحقق، لكن بدعم عمومي واستهداف الساكنة ورقابة للقطاع، والحال أن المغرب غابت فيه الرقابة، حيث ترك القطاع يتطور دون رقابة، ويجب أن نشير إلى أن وزارة الاقتصاد والمالية لم تكن تتوفر في البداية على الوسائل لممارسة الرقابة على القطاع، بل إن الوزارة كانت تنظر إلى مؤسسات القروض الصغرى على أنها جمعيات لا تسعى إلى الربح، فلم تعرها الاهتمام الواجب، علما أنه بفضل الهبات الدولية أو الدعم العمومي، كانت تتصرف الجمعيات في أرصدة مالية هامة، واليوم يتم التفكير في نظام للرقابة من قبل البنك المركزي الذي أصبح يهتم بهذا الأمر أكثر مما كان عليه في السابق.
 
- بما أن المغرب اختار التوجه نحو محاربة الفقر عبر القروض الصغرى، فهل يمكن قياس ذلك؟
< المشكل أن الدراسات التي تناولت قياس دور القروض الصغرى في محاربة الفقر كانت جد بسيطة، فقد افترضت أنه بتوزيع القروض سوف نلاحظ أن ثمة تحسنا في مستوى عيش الساكنة وتأثيرا على مشاركتها في الحياة العامة وتمدرس الأطفال.. لكن المشكل المطروح يتعلق بأوجه صرف تلك الأموال من قبل المستفيدين منها، فهل ستكون منتجة، خاصة أن الأفراد المستفيدين لم يسبق لهم في غالب الأحيان أن تولوا تدبير أي مشروع؟. وقد أظهرت التجربة أن القروض الصغرى الموزعة لا تساهم في خلق نشاط ما، وفي أحسن الأحوال يتم استعمال تلك القروض في دعم رأسمال نشاط قائم من قبل. وعموما لم يتم الاهتمام بأوجه توظيف القروض الموزعة، وفي البداية كان الشخص المكلف بمنح القروض الحلقة الضعيفة أو القوية في النظام. ففي البداية كانت تكاليف الاستغلال ضعيفة، لأنه كانت ثمة منافسة وكان من الممكن تحفيز الأشخاص المكلفين بتوزيع القروض على مراقبة محفظة القروض الموزعة، غير أن هذا الوضع تغير، بفعل بروز العديد من الجمعيات ببرامج مختلفة تماما، في فضاءات جغرافية ضيقة، حيث وجدنا العديد من الأشخاص المخول لهم منح القروض في سوق غير مهيكل، وهذا يفضي إلى ما يسمى بظاهرة القروض المتعددة أو المتداخلة les crédits croisés، والجميع حاول الحفاظ في ظل المنافسة على نشاط بدأت تظهر عليه علامات المرض، مما لم يساعد على تحقيق الهدف الذي أريد من القروض الصغرى والمتمثل في محاربة الفقر ومواكبة الساكنة.
 
 - من خلال التراكم الذي تحقق في القطاع. ما هي نقاط الضعف في نظام القروض الصغرى في المغرب، مقارنة بتجارب دولية أخرى، خاصة في آسيا؟
 
< للأسف، قليلة هي التجارب الآسيوية التي حالفها النجاح، ففي البداية كانت الأموال تأتي من المؤسسات المالية الدولية التي تحرص على تطوير السوق. لكن الأمر يبقى رهينا بنوع جمعيات القروض التي يراد خلقها، فإذا أريد فقط خلق أبناك للفقراء، فالنظام البنكي موجود سلفا، لكن نعلم أن النظام البنكي يقوم على الضمانات، إذ له منطقه الخاص الذي لا يمكن أن يخضع له الفقراء الذين لا يتوفرون على ضمانات. وهذا هو المشكل، ففي الوقت الذي توفرت الوسائل لدى بلدان من أجل التعرف على احتياجات الزبناء وبلورة عرض ملائم، تم التقيد في المغرب بالقانون الذي يفرض توزيع القروض الصغرى فقط، في إطار سقف تغير في مرات عديدة، وهو السقف الذي أريد له ألا يفضي إلى منافسة شركات التمويل. ينضاف ذلك إلى مشكل الأشخاص المخول لهم توزيع القروض، والذين لم تعرف حدود مواكبتهم للزبناء وطبيعة هاته الأخيرة.
 
- ما هو تفسيركم لمشكل القروض التي تجد مؤسسات القروض الصغرى صعوبة في استرجاعها؟
 
< يفسر هذا المشكل بأمرين، فهناك الأشخاص المكلفون بتوزيع القروض، والذين لم يعودوا محفزين بالقدر الذي كانوا عليه في البداية، بسبب المنافسة الشديدة، وهناك مسألة الرقابة التي غابت على اعتبار أن ما يشجع زبونا ما على الاستمرار في طلب القرض هو معرفته بأنه غير مجبر على الوفاء بما في ذمته. وعموما ما دامت معرفتنا جد محدودة بالزبناء، سنجد صعوبة في التعرف على أصل المشكل ومعالجته عبر توفير منتوجات تستجيب لانتظاراتهم. فالمشكل الأساسي يتمثل في المنافسة بين الجمعيات واستهداف الزبناء ومدى استعداد هؤلاء للوفاء بما في ذمتهم.
 
 - هل الإطار القانوني ساهم في الوصول إلى الوضعية التي تحدثتم عنها؟
 
 < لا يمكن فصل القطاع عن نظام ما. فقطاع القروض الصغرى يتطور ضمن نظام قضائي يعاني من مشاكل. لكن المشكل لا يطرح على هذا المستوى، فقد تمكن القطاع من أن يتطور خلال سنوات في ظل نفس النظام القضائي. المشكل يطرح على مستوى التسيير، مادام المسؤولون عن الجمعيات يعرفون أنه لا توجد ثمة آلية للرقابة. ويمكن تفسير الوضعية الحالية، التي شهدت تراجع أرقام القطاع منذ 2007، بكون الناس لم يكن لديهم إحساس بخضوعهم للرقابة، وترك القطاع يتطور كما يحلو له. وعندما انفجرت الأزمة بدأ الحديث عن ضرورة تبني مقاربة مختلفة. ويجب أن أشير إلى أن ثمة العديد من المشاريع لم تتقدم منذ 2000 إلى 2005، بسبب المشاكل التي نشبت بين جمعيات القروض الصغرى، ولا بد من الانتباه إلى عدم وجود تجانس على مستوى القطاع، وهذا يفضي إلى ذهاب الجمعيات والجمعيات الصغرى في اتجاهات مختلفة.
 
- يتم الحديث كثيرا عن سقف القروض التي يفترض منحها. ما المشكل الذي يطرحه هذا السقف؟ وهل يساهم في عدم تطور القطاع في المغرب ؟
 
< في البداية صدرت دورية عن وزارة الاقتصاد والمالية تحدد سقف القروض الصغرى، وقد أثار ذلك نقاشا كبيرا في القطاع، فبالنسبة للجمعيات، التي أرادت تمويل السكن الاجتماعي، لم يتأت لها ذلك، رغم أن السقف ارتفع من 10 آلاف إلى 50 ألف درهم، واليوم يتواصل الحديث عن سقف القرض على مستوى مسؤولي الجمعيات، على اعتبار أن رفعه سوف يؤثر على تكاليف الاستغلال في اتجاه الانخفاض، مما يعني أن كل مؤسسة تسعى إلى تحسين نتائجها تتطلع إلى رفع سقف القروض الصغرى. هذا يعيدنا إلى المشكل المرتبط بالاستهداف، فهل نريد مواكبة ساكنة فقيرة أم نسعى إلى توفير منتوجات مالية لساكنة مقصية من الولوج للقطاع البنكي؟ يجب الحسم في هذا النقاش، إذ في الحالة التي تحيد المؤسسة عن هدف محاربة الفقر وتسعى إلى توفير منتوجات مالية، آنذاك يمكن طرح مسألة رفع السقف إذا كان ممكنا.
 
 - كيف تنظرون إلى الطريقة التي تتعاطى بها السلطات العمومية مع سعي مؤسسات القرض إلى تجاوز مشكل القروض التي تجد صعوبة في استردادها؟
 < يبدو أن العديد من التساؤلات تطرح في القطاع، فالبعض تساءل حول مؤسسة كبيرة مثل «زاكورة» التي اختفت بين عشية وضحاها، ولماذا تم استيعابها من قبل مؤسسة البنك الشعبي للقروض الصغرى التي تستهدف ساكنة مختلفة تماما عن تلك التي تتعامل معها «زاكورة». وإلى حدود اليوم لا نعرف تفاصيل العملية. ويبدو أن مؤسسة البنك الشعبي للقروض الصغرى سوف تطرح التفسيرات الضرورية بعد الانتهاء من العملية. وأتمنى أن تتسم مثل هاته العمليات بنوع من الوضوح والشفافية حتى تعرف الجمعيات الأخرى ما ينتظرها مستقبلا في حال ما تعرضت لمشاكل.
 
- وماذا عن مركزية المخاطر؟ وإلى أي حد يمكن لهاته الآلية أن تساهم في الحد من المشاكل التي اعترت القطاع؟
< مركزية المخاطر جد مكلفة، ثم يجب معرفة أصناف القروض والمنتوجات التي تعالجها مركزية المخاطر. هذا مشروع طرح في بداية العقد الماضي، لكن لم يتم السعي إلى الحسم فيه إلى اليوم، الذي أدركت كبرى جمعيات القروض الصغرى أنها تواجه أزمة، لتشرع بعد ذلك في الحديث عن تنسيق المعلومات فيما بينها، في انتظار أن تقرر وزارة الاقتصاد والمالية والبنك المركزي خلق مركزية المخاطر، غير أن المشكل الذي يطرح هو حول طبيعة القروض والمنتوجات التي تعالجها تلك المركزية. هذه وسيلة، لكنها محدودة، حيث يجب النظر إلى الأمر على مستوى الأشخاص المكلفين بتوزيع القروض.
 
- طرحت جمعيات كبيرة متخصصة في القروض الصغرى فكرة التحول إلى أبناك فهل مثل هذا الانتقال ممكن؟
 
< هذا ممكن، لكنه يفترض تغييرا في الثقافة، على اعتبار أن قطاع القروض الصغرى انطلق من رؤية مختلفة عما نريد أن نفعله اليوم به، وإذا أردنا الانخراط في هذا التحول يجب أن نكون واضحين، حيث يجب أن يكون نظام الحكامة مختلفا تماما بما يتيح توقع الأزمات وعدم انتقالها إلى الأنشطة المالية الأخرى، مثل القطاع البنكي والسوق المالية للقيم المنقولة.
 
- كيف يمكن التحول من توزيع القروض إلى نظام مالي نعني به التمويل الأصغر Microfinance؟
 < خلافا لنموذج بنوك التنمية التابعة للدولة التي كنا نتوفر عليها في سنوات السبعينيات من القرن الماضي، والتي تعنى بالطلب، ينصب اهتمام مؤسسات القروض الصغرى على العرض. وعندما نتجه نحو تعبئة الادخار يجب معرفة ما إذا كانت ثمة إمكانيات للادخار وما الذي يمثله. يجب دراسة السوق ومعرفة إمكانيات الادخار وما الذي يمثله بالنسبة لتكاليف الاستغلال ومدى القدرة على تدبير القطاع، ثم إن التساؤل يثار حول ضبط القطاع، وأين سينتهي الادخار، على اعتبار أن مؤسسات القروض الصغرى لن تحتفظ بالودائع، بل سوف تعهد بها إلى الأبناك.
 
- هل الفاعلون الكبار وصلوا إلى مستوى من النضج كي يتحولوا إلى بنوك؟
 
< في تصوري هناك إمكانيات كبيرة بالنسبة للجمعيات الكبيرة، لكنها لم تستطع تطوير منتوجات جديدة بسبب إكراهات التشريع الحالي. لكن التحول يستجيب لبعض الجمعيات، ولا يمكن تعميمه، والمشكل أننا بدأنا بنموذج عام، واليوم نريد التخصيص. يجب تغيير النموذج بالنسبة للجمعيات التي تريد التحول إلى مؤسسات بنكية، ويجب الحسم فيما إذا كانت الجمعيات الأخرى مؤهلة لخدمة الهدف الأساس المتمثل في محاربة الفقر.
 
 - يفترض إذن أن نتوفر على نموذجين اقتصاديين لنشاط القروض الصغرى في المغرب؟
 
< لا يتعلق الأمر بالنموذج الاقتصادي، بل بصنفين من التنظيم، وهذا ما جرى به العمل في بعض المناطق في العالم، ففي بعض البلدان الإفريقية، تم على الصعيد التشريعي تصور تعاونيات وجمعيات القروض الصغرى والجمعيات التي يمكنها أن توزع القروض وتعبئ الادخار. المغرب له خياره الخاص به، ربما لم يكن الأمثل، لكن يجب أن نحسم في مسألة الساكنة التي يفترض استهدافها وتصور شكل الحكامة، سواء على مستوى جمعيات القروض الصغرى أو القطاع بشكل عام.
 

2 votes. Moyenne 2.50 sur 5.

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×